![]() |
أن يكون في اللفظ، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: (( كنت قد نهيْتكم عن زيارة القبور، فزوروها )) . هذا هو الطريق الأول أو الوسيلة الأولى من الوسائل التي يُعرف بها الناسخ والمنسوخ. وهذه الطريقة يسمّيها العلماء: التنصيص من الشارع على أنّ أحد الأمريْن المتعارضين بخصوصه ناسخ للآخر". |
![]() |
وقد مثل ابن قدامة -رحمه الله- بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها؛ فإنها تذكّركم الآخرة )) . فقد نص النبي -صلى الله عليه وسلم- على: أن الأمر بالزيارة جاء بعد النهي عنها؛ فيكون الأمر بالزيارة متأخّراً عن النهي عن الزيارة. |
![]() |
وقال بعض أهل العلم: يُعلم الناسخ والمنسوخ من اللفظ، أي: من النطق بمعنى: أن يعلم من اللفظ تقدّم أحد الحُكمين على الآخر، وحينئذ يكون المتقدِّم منسوخاً والمتأخر ناسخاً. والمراد بالتقدم يعني: في التنزيل وليس في التقدم في التلاوة. ومن أمثلة ذلك في القرآن: قول الله تعالى: (( الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً)) [الأنفال: ٦٦]؛ فإن هذا اللفظ قد علمنا منه: أنه يقتضي أن الله تعالى نسخ عن الصحابة أن يصابر كل واحد عشرة إلى أن يصابر كل واحد منهم اثنين فقط. فقوله: (( الآنَ)) فيه دليل على ذلك. |
![]() |
والأمثلة من السنة هو: حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي رواه الإمام مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم..: "أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: (( كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة )) . |
![]() |
ويلحق بهذه الوسيلة الأولى: ذكْر الصحابي لتقدم أحد الحُكمين أو يَذكر قرينةً قويّة. يذكر: أن هذا الحكم متقدم على هذا الحّكم؛ وعليه فيكون المتأخر ناسخاً للمتقدم، وهذا إنما يكون عند التعارض. |
![]() |
وبالمثال يتضح المقال: في الحديث الصحيح عن زيد بن أرقم قال: "كنا نتكلم في الصلاة، يكلّم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: (( وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)) فأمِرْنا بالسكوت ونُهينا عن الكلام" الحديث متفق عليه. |
![]() |
من الطرق التي يعرف بها الناسخ والمنسوخ: أو الوسيلة الثالثة فهي: الإجماع؛ ولذلك يقول ابن قدامة -رحمه الله-: "الثالث: أن تُجمع الأمّة على: أن هذا الحكم منسوخ، وأن ناسخه متأخر". لا أن الإجماع هو الناسخ، لأننا قد انتهينا من مسألة نسخ الإجماع والنسخ به. |
![]() |
ومثّلوا له في نسخ رمضان لصيام عاشوراء، ونسخ الزكاة لسائر الحقوق في المال. واتفقت الصحابة -رضي الله عنهم- على: ترك استعمالهم هذا فدلّ عدولهم عنه على نسخه. |
![]() |
ومن ذلك أيضاً: ما روي أنّ الأمة أجمعت على نسخ قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، كما يفيد حديث معاوية مرفوعاً إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-. |
![]() |
أن يكون راوي أحد الخبرين أسلَمَ في آخر حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، والآخر لم يصحب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا في أوّل الإسلام. |
![]() |
وفي هذا يقول ابن قدامة -رحمه الله-: "الخامس: أن يكون راوي أحد الخبرين أسلَمَ في آخر حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، والآخر لم يصحب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا في أول الإسلام، كرواية طلق بن علي الحنفي وأبي هريرة في الوضوء من مس الفرج". هذا المثال هو: ما أخرجه أبو داود والترمذي، والنسائي وابن ماجة وأحمد وغيرهم... عن طلق بن علي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل عن الوضوء من مسّ الذكر، فقال: (( هل هو إلا بضعة منك! )) . ويفهم من هذا: أن مسّ الذكَر لا ينقض الوضوء. فهذا الخبر يُفيد عدم وجوب الوضوء من مس الذكر. |
![]() |
وأخرج البيهقي والشافعي، وأحمد والحاكم، عن أبي هريرة: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: (( ومن أفضى بيده إلى ذكَره ليس دونه ستر، فقد وجب عليه الوضوء )) . فهذا الخبر بمنطوقه أفاد: وجوب الوضوء من مس الذكر. |
![]() |
إذاً عندي تعارض وتضاد وتناقض: حديث طلق يدل على: أنه لا يجب الوضوء من مس الذكر، وحديث أبي هريرة يدل على: أنه يجب الوضوء من مس الذكر. فما هو موقف المجتهد في دفع هذا التعارض، وقد علم بهذا أن حديث أبي هريرة متأخِّر عن حديث طلق. وأنت الآن جدير بأن تجيب: وكل متأخر يكون ناسخاً للمتقدم. فحديث أبي هريرة متأخر عن حديث طلق، لأن أبا هريرة أسلم في آخر حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعد وفاة طلق بن علي؛ وبهذا يكون حديث أبي هريرة ناسخاً لحديث طلق. |
![]() |
المذهب الأول: أن مسّ الذكر باليد ناقض للوضوء، يعني: من مس ذكره بيده دون سترٍ انتقض وضوءه. وهذا مذهب جمهور أهل العلم منهم: الإمام الشافعي، والإمام مالك في المشهور عنه، ورواية عن الإمام أحمد -رحمه الله-. غير أن الشافعي يخص ذلك بالمس بباطن الكف فقط، أما ظهر الكف فلا ينقض الوضوء عند الشافعي. والإمام مالك يشترط اللذة والعمد. فكأن مس الذكر ينقض الوضوء عند الإمام مالك وعند الإمام الشافعي لكن بشروط. |
![]() |
أما المذهب الثاني فهو: مذهب الحنفية: فيرون أن مس الذكر غير ناقض للوضوء. |
![]() |
قول الراوي: "كان الحُكم كذا، ثم نُسخ"، فإنه لا يثبت به النسخ عند الجمهور، لجواز أن يكون قوله عن اجتهاد لا عن توقيف من النبي -صلى الله عليه وسلم-، والمجتهد لا يكلّف بالعمل بقول مجتهد آخر. |
![]() |
أما الحنفية - وهذا هو الرأي الثاني في المسألة- فإنهم يثبتون النسخ بذلك، لأن إطلاق الراوي العدل النسخ من غير أن يعين الناسخ مشعر بأنه توقيف من الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيقبل قول الراوي فيه. |
![]() |
فبعض أهل العلم يرى: أن المتأخر في الإثبات ناسخ للمتقدِّم. فدليلهم: أن التأخير كتابةً في المصحف دليل على أن المتأخر ناسخ للمتقدم. وهذا رأي بعض أهل العلم، وهو رأي ضعيف، كما سيتّضح الآن. |
![]() |
أما الجمهور فلا يرون ذلك ودليلهم: أن ترتيب الآيات في المصحف ليس على ترتيب النزول؛ بل قد يكون المتقدم في الترتيب متأخراً في النزول. |
![]() |
وبالمثال يتّضح المقال: فعندي ترتيب آية عِدّة المتوفَّى عنها زوجها. فإن الآية الناسخة متقدِّمة في المصحف عن الآية المنسوخة. |
![]() |
ولنبين ذلك: آيتا عِدّة المتوفّى عنها زوجها: الله تعالى قال في سورة (البقرة) في الآية الرابعة والثلاثين بعد المائتين: (( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً))، وقال سبحانه في الآية الأربعين بعد المائتين من نفس السورة: (( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ)). فإن الآية الناسخة هنا هي: الأولى وهي متقدمة في المصحف عن الآية المنسوخة وهي الآية الثانية. وعليه فالجمهور لا يرى: أنّ أحد النصين المتعارضين إذا كان مثبتاً في المصحف بعد النص الآخر يكون ناسخاً، لأن ترتيب الآيات في المصحف ليس على ترتيب النزول. |
![]() |
فبعض العلماء يرى: أن الحديث الذي رواه الأصغر سناً أو الراوي المتأخّر في الإسلام يكون ناسخاً للحديث الآخر. |
![]() |
أما جمهور أهل العلم فلا يرون ذلك. ودليلهم: قالوا: لجواز أن يكون الأصغر سناً قد روى عمّن هو أكبر منه، وحينئذٍ يزول الكلام في مسألة السن. قالوا: وأن يكون المتأخر إسلاماً قد روى عمّن تقدّمه في الإسلام. |
![]() |
فيرى بعض العلماء: أن النص الموافق للبراءة متأخِّر عن النص المخالف لها. ومتى جعل الموافق متأخراً كان ناسخاً للمتقدم. |
![]() |
الجمهور قال: هذا الرأي غير صحيح، لأنّ جعل أحد النصين بعينه متقدماً والآخر بعينه متأخراً ليس أوْلى من العكس، لعدم المرجّح. وقد ذكرت لكم غير مرة: أن الترجيح بدون مرجّح باطل، أو ترجيح أحد المتساويين كذلك باطل. |